الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
21
نفحات القرآن
ولذا أشارت الآية التاسعة من البحث إلى هذا الهدف ، قال تعالى : « كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيَما اخْتَلَفُوا فِيهِ » . و « الامّة » : في الأصل على ما ذهب إليه الراغب في مفرداته تطلق على كلّ جماعة يجمعهم أمرٌ ما ، إمّا أن يكون دين واحد أو زمان واحد أو مكان واحد ، سواء كان ذلك الأمر الجامع قسريّاً أو اختياريّاً ، وجمعها أمم . لكنّ هذه اللفظة وردت بمعنى العقيدة أيضاً : « بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِى قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ » . ( الزخرف / 22 - 23 ) وأحياناً جاءت بمعنى نفس الزمان قوله تعالى : « وَقَالَ الَّذِى نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ » . ( يوسف / 45 ) وكذلك قوله تعالى : « وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفاً عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ » . ( هود / 8 ) وفي الآية مورد البحث يبدو أنّ « الامّة » جاءت بمعنى الجماعة الواحدة . لكن ما هي هذه الامّة الواحدة التي عاشت في بداية الخلقة يا ترى ؟ وما هي عقيدتها ؟ يوجد بين المفسّرين حديث طويل وعريض حول هذا الموضوع ، ولهم احتمالات عديدة في تفسير لفظ « الامّة » ومصيرها ، وأهمّها ثلاثة احتمالات : الأوّل : أنّها كانت امّة مهتدية ، وكانت هدايتها نابعة من الفطرة الإلهيّة المودعة لديها ، ثمّ اختلفت ذلك الاختلاف الناشئ من علمها المحدود ، وذلك لعجز أحكام الفطرة والمستقلات العقلية عن الأخذ بزمام الأمور لوحدها ، ومن هنا بعث اللَّه تعالى الأنبياء عليهم السلام إلى البشرية لتخليصها من مشكلة الاختلافات الناشئة من الجهل ومحدودية معرفتها . فبعث اللَّه الأنبياء عليهم السلام ووضعوا حدّاً لهذه الاختلافات وبيّنوا الحقائق ، لكنّه ظهر بعد ذلك اختلاف آخر نشأ من البخل والظلم والفساد ، وهنا أيضاً شملت الألطاف الإلهيّة